الشيخ محمد رشيد رضا
101
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إلى تلك الأشياء المعتقدة توجه العبادة . ويزعمون أن ما جاءت به رسلهم من أحكام الدين غير كاف في بيان الدين فيجب تركه إلى ما يضعه لهم بعض رؤسائهم من أحكام الحلال والحرام من غير نظر في موافقته أو مخالفته له أي لما جاء به الرسل ، أو مع ضرب من النظر التقليدي فيه ، لدعمه به وارجاعه اليه فلما كانت الوثنية قد تغلغلت في جميع الأديان المأثورة وأفسدتها على أهلها ، فقلد بعضهم بعضا فيما ورثوه منها ، أنزل اللّه لهداية البشر هذا النور المبين ( القرآن ) فكان أشد إبانة لدقائق مسائل التوحيد وخفاياها من نور الكهرباء المتألق في هذا العصر الذي نرى فيه السراج الواحد في قوة مئات أو ألوف من نور الشمع ، فبين لمن يفهم لغته حقيقة التوحيد بالدلائل والبراهين الكونية والعقلية ، وضرب الأمثال المادية والمعنوية ، وضروب القصص والمواعظ ، والهداية إلى النظر والتجارب ، وكشف ما ران على هذه العقيدة من شبهات المضلين ، وأوهام الضالين ، التي مزجتها بالشرك مزجا ، جمع بين الضدين بل النقيضين جمعا ، ولوّن أساليب الكلام فيها ونوعه لتتقبل النفس تكراره بقبول حسن ، ولا يعرض لها من ترتيل آياته شيء من الملل ، فكان بيانه في تشييد صرح الوحدانية ، وتقويض بناء الوثنية ، بيانا لم يعهد مثله في كماله وتأثيره في كتاب بشري ولا إلهي . الا ان ادراك هذه الحقيقة العليا والإحاطة بها ، والعلم بما كان من ضروب الشبهات عليها ، والأباطيل المتخللة فيها ، وبما لها من التمكن في نفوس الناس ، وما يتوقف عليه امتلاخها وانتزاعها من فنون البيان ، بحسب سنة اللّه تعالى في تحويل الأمم من حال إلى حال ، كل ذلك مما لا يعقل ان يتفق لرجل أمي لم يقرأ كتابا في الدين ولا في العلم ، ولا عاشر أحدا عارفا بهما ، كيف وقد كان ذلك فوق علوم الذين صرفوا كل حياتهم في الدرس والقراءة . بل نقول إن هذا البيان الأكمل لتقرير التوحيد واجتثاث جذور الوثنية الذي جاء به القرآن وأشرنا اليه آنفا لم يكن قط معهودا من الحكماء الربانيين ، ولا من النبيين المرسلين ، دع من دونهم من الأميين أو المتعلمين ، لهذا تعين ان يكون اللّه تعالى هو المنزل لهذا النور المبين ، ( 26 : 192 وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ 193 نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ 194 عَلى قَلْبِكَ